يتورع الكثير من المسلمين عن اللحوم المستوردة لا سيما
المعلبة منها ويتوقون في ذلك أشد التوقي مخافة أن تكون قد ذبحت على خلاف الطريقة
الشرعية وهذا سعي مشكور ، ولكن هناك لحوم لطُفت حتى خفيت على المتورعين ، ولم
تدركها رقابة المتوقّين ، والسر في هذا أن اللحوم التي رغب عنها المتورعون لحوم
حسية مشاهدة ، فلا تخفى على الرقابة لأن الذي يتناولها يعالج أكلها ، بينما
الأخرى لا يحتاج إلى ذلك آكلها وكلاهما يسمى أكلاً ، قال تعالى : ( أيُحب أحدكم
أن يأكل لحم أخيه ميتاَ ) الحجرات/12 . ( إنها لحوم البشر ... الغيبة )
نعم قد سماها الله سبحانه بذلك ( أيُحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاَ )
الحجرات/12 وتكاثرات الأدلة على تحريمها وبيان خطرها وقبح التلبس بها
.
فعن ابن مسعود قال : ( كنا عند النبي صلى الله عليه
وسلم فقام رجل فوقع فيه رجل من بعده ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : تخلل .
قال : مِم أتخلل ؟ ما أكلت لحماً ! قال : إنك أكلت لحم أخيك ) صححه الألباني
تنبيه :
لقد انغمر الناس في هذه المعصية ، ولا أدل على ذلك من
واقع الناس ، فترى الغيور على محارم الله أن تُنتهك عندما ينكر عليهم هذه الموبقة
يُقابل بإجابة تواترت عليها الألسنة وألفتها : " ألا تريدنا أن نتكلم " فسبحان
الله كأن الكلام كله منحصر فيما حرم الله على عباده ، فمن تأمل هذه المقولة تبين
له مدى تمزق الجسد الواحد نفسه بدلاً من أن يشد بعضه بعضاً ، وكأننا لم نسمع قول
رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو
ليصمت ) رواه البخاري ح/6135
هذا هو جواب المقولة : إذ ليس من الخير أن تقارف تلك
الكبيرة ، فالزم الصمت إن لم تقل خيراً فإن " من صمت نجا " .
تساؤل :
لعلك تتساءل معي كيف يقع الصالحون على وجه أخص في هذه
الموبقة على الرغم من أنهم أولى الناس بالبعد عنها ؟ أقول : هناك أسباب أوقعتهم
في ذلك يشترك معهم بقية الناس فيها ، ومنها :
1- موافقة الأقران ومجاملة الرفقاء حيث يرى أنه لو
أنكر عليهم استثقلوه فيما بينهم في ذلك .
2- التشفي ، فكلما غضب من أحد شفى قلبه بفيبته .
3- إرادة رفع النفس بتنقيص غيره والحط من قدره .
4- اللعب والهزل فربما أراد أن يُضحك الناس بمحاكاة
فلان وفلان وفعله .
5- الحسد ، فإذا تكلم الناس بمدح لرجل قال : إن فيه
وفيه ، وأنا أخبر به منكم ، فلا سبيل لدله للنيل من المحسود إلا القدح فيه .
6- كثرة الفراغ والشعور بالملل فلا يجد شغلاً إلا بذكر
عيوب الناس ، وذلك لأنه لم يستغل وقته بطاعة الله ، فالواجبات أكثر من الأوقات ،
والسلف كانوا يقولون : " النفس إن لم تشغلها شغلتك "
7- طلب موافقة الرئيس والمدير ومجارته في تنقص من لا
يحب من مرؤسيه لنيل الحظورة لديه .
تأمل :
إنك تعاشر أقواماً لا يُحصون كثرة : منهم القريب ،
ومنهم الصديق الحبيب ، ومنهم الاستاذ ومنهم الجار ، فاحذر غداً أن تراهم ماثلين
أمامك بين يدي الله ، ترى أحبابك وخلانك يطلبون رد مظلمة أعراضهم منك .
بقلم : بدر السحيل
مجلة البيان عدد 152 ص 138